إن الفرق بين مصر وبين أي دولة عربية أخرى في ما يتعلق بالرياضة على الأقل، هو أن تأهل المنتخب المصري لكأس العالم سبّب حالة عامة من الفرح في جميع المقاهي والبيوت والحسابات الإلكترونية في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.
صحيح أنه إنجاز رياضي يعتبره بعض المثقفين أقل كثيراً من أهمية «نوبل للآداب» ويعتبره بعض التربويين أقل أهمية من جودة وتحسين التعليم ويعتبره بعض السياسيين أقل أهمية من عودة مصر إلى دورها الريادي في المنطقة، إلا أنه وبعيداً عن أي ملاحظات تقال كل يوم بمناسبة ومن دون مناسبة في جميع الدول العربية، فإن الجميع قد فرح لمصر... والجميع يهنّئ مصر... والجميع يتفاعل مع شعب مصر. وكما تقول الأغنية «فيها حاجة حلوة، حاجة حلوة منا، فيها نية صافية، فيها حاجة دافية».
وبينما أبارك لفريق الساجدين أو للفراعنة الذين أرجو لهم ألا يتحنطوا في المونديال، لا أستطيع أن أنكر أن هناك غصة في صدري بحجم الموج الأزرق الذي توقفت سفنه عن الانطلاق لأي إنجاز رياضي، بل ومأمور بالتوقف بحكم محكمة الفيفا وبحكم الفساد وبحكم القوي على الضعيف، الموج الأزرق الذي قُدّر له أن يرمي النرد في اتجاهات خاطئة خلال السنوات الماضية حتى توقفت جميع السفن وأصبحت حبيسة في صورة عملة «المئة فلس»!
مبروك للمصريين... أقولها بصوت مغن خانته حباله الصوتية في حفلة غنائية أرادها سعيدة فبكى... أو كحصان أمير خانه التقدير في عبور الحاجز الأخير فسقط في وحل مشاعره، أو كمتسابق أخير في سباق تتابع خانته ركبته فخذل زملاءه الذين قبله، أو كأي تشبيه لغوي أو استعارة لا معنى لها... ففي النهاية الكتابة في مواضيع مثل هذه مثل قفزة كمومية تجعلك تهّنئ بلاداً تحبها... وتبكي بلادك!
وربما يخرج لي قارئ من بين السطور ويمسك بتلابيبي قائلاً «ولِمَ كل هذا الفرح للمصريين ولِمَ كل هذا الحزن على منتخب الكويت؟ فالرياضة ليست كل شيء في الحياة، فلا داعي لمبالغات كتلك التي عند المنفلوطي في (ماجدولين)».
في البداية، أريد أن أستحلفك بالله، ألم تشعر بالغضب ولو لمرة واحدة من كون منتخبك الوطني موقوفاً رياضياً وكون علمك الذي يحركه الهواء فوق جميع مؤسسات الدولة، لا تحركه الشرعية الدولية في المناسبات الرياضية؟
إن أسوأ الرجال هم الذين يظهرون بشكل دائم في عمليات تأبين العلم الكويتي المنكس في المناسبات الرياضية العالمية، بينما وقت العمل على رفع هذا العلم كانوا في مكان آخر!
إنني لا أهنّئ المصريين على تأهلهم لكأس العالم فقط، ولكنني أهنئهم أيضاً على فرحة استحقوها بعد مدة طويلة من الحزن. ولست حزيناً لأن الكويت موقوفة رياضياً فقط، ولكن لأننا كشعب ومنذ مدة طويلة ونحن محاصرون في زاوية الحلبة نضرب على وجوهنا في جميع المستويات كملاكم مبتدئ لم يراهن عليه أحد أمام مجموعة سياسيين محترفين تعاملوا معنا بما حرمه الله وأباحه أبو نواس!
السادة الكبار جداً، في هذا الوطن، هناك تمثال شهير للفنان مايكل أنجلو في كاتدرائية القديس بطرس بمدينة الفاتيكان تظهر فيه السيدة العذراء وهي تحمل جسد السيد المسيح في أحضانها بعد إنزاله من عملية الصلب، ولكن أقسم لكم بالله أن كمية اللكمات التي تعرضنا لها الفترة الأخيرة تشبه الصلب، فهلا أوقفتم قليلاً هذا الضرب! ثم هو «كله ضرب ضرب مفيش شتيمة؟!».
وفي الواقع، أشعر عزيزي القارئ أنني مهزوم بكل معنى الكلمة في هذا المقال... فلا المصريون سيهتمون بتهنئة كاتب طائش بعد أن هنّأهم قادة العالم، وفي مقدمهم سمو الأمير حفظه الله ورعاه... ولا الكويتيون سيهتمون بحزن مواطن عائش على الهامش بعد أن طرحوا أرضاً بسبب عدد اللكمات... وانحياز لجنة التحكيم.
قصة قصيرة منقولة:
- كلمات وطنية تقال في المناسبات:
يجب أن نكون يداً واحدة على ظهر سفينة الوطن.
- نوايا سياسية مخبّأة في الصدور:
يجب أن أكون القائد على ظهر هذه السفينة.
كاتب كويتي
moh1alatwan@