عدت أخيرا من قضاء اجازة الصيف في جمهورية مصر العربية، التي ما زلت أفضلها على كل بلاد الدنيا رغم كل الميزات التي تتمتع بها الكثير من دول العالم، الا انني اشعر بالحنين كلما طالت الفترة التي لم أزر بها مصر المحروسة تلك التي زرتها في طفولتي ودرست بها في مرحلة بداية الشباب، وتعرفت على مبدعي مصر في كل المجالات سواء في الفن التشكيلي الذي اعشقه او في الادب او في النقد او في السينما او في المسرح او النجوم المصريين الذين تربطني علاقة صداقة معهم ناهيك عن المصريين البسطاء الذين عرفتهم طوال فترة حياتي.
ولقد كنت وما زلت اتردد على مصر الحبيبة منذ طفولتي مرورا بفترة المراهقة ثم في فترة الشباب ثم فترة النضج وها أنا ذا أزور مصر الحبيبة وانا في مرحلة ما بعد التقاعد، وفي كل زيارة اقوم بالتجديد لحبي العميق لمصر المحروسة.
ولقد كنت ومنذ طفولتي وانا اسمع ان مصر هي ام الدنيا ولا اشك في ذلك ولكن لو سألني شخص عن معنى ذلك لما استطعت التعبير عن ذلك الامر الذي يبدو سهلا للوهلة الاولى ولكن ان تعبر عن شرح معنى مصر ام الدنيا فلانها ام الدنيا وكفى.
نعم تعايشنا مع مصر في كل فتراتها العصيبة خصوصا عندما تم شن الحروب عليها ووقفنا معها وهتفنا معها دون نفاق ونحن بعيدين كل البعد عن صناع القرار بها الا ان ايماننا بانسانية مصر وبعروبتها وبثقلها الديني والثقافي دفعنا بتلقائية نحو الولاء اليها، وعندما انتهت الحروب العسكرية المباشرة ضد مصر المحروسة ولكل من حاول الاساءة الى مصر فانه مخطئ في حق شعب يصر على ان يعيش والنكتة لا تفارق لسانه مهما كانت الظروف الصعبة التي يعيشها رجل الشارع المصري.
علينا ان نقف مع مصر الارض ومصر الشعب خصوصا ان لها تاريخا طويلا في حصول بعض الدول العربية على الاستقلال والحصول على الخبرات المصرية في عملية بناء وتقدم الكثير من البلاد العربية وكل ما قدمناه لها لا يعد الا رد الجميل ولا يعد الا واجبا وعلينا تخيل «خفة دم المصري» في اي مكان عمل او في اي مجال عندها سندرك اهمية العنصر المصري لذا يجب علينا ان نعبر عن حبنا الى مصر بامور بسيطة منها تشجيع السياحة في مصر وشراء البضائع المصرية ومساعدة الشعب المصري داخل مصر او أولئك الذين يعيشون بيننا عبر عقود من الزمن.
وفي الكويت فاننا لا ننسى الدور المصري في عملية تحرير الكويت في عام 1991م ولا ننسى الموقف المصري قبل ذلك عندما طالب عبد الكريم قاسم بالكويت، ولا يمكن ان ننسى الدفعات الاولى من المدرسين الذين حضروا الى الكويت في فترة كانت الكويت في بداية انطلاقتها في عملية تطوير البلاد في شتى المجالات ومنها الجانب التعليمي والطبي وكان للخبرات المصرية الدور الفاعل في ذلك الامر.
وقد يقول شخص ما انه تعرض لموقف ما في مصر او من عنصر مصري سواء في مصر او في الكويت فأقول له نعم ولكن عليك ألا تحكم على اكثر من تسعين مليون شخص من خلال عنصر سيئ فهذا ظلم والامر نفسه ينطبق على كل شعوب العالم ومنه الكويت فهل اذا تعرض شخص مصري الى موقف سلبي من شخص كويتي نجعل ذلك مبررا ليحكم الشعب المصري على الشعب الكويتي خاصة اننا شعوب تنفعل بسرعة ولا تفكر بالموضوعية كما انها تميل الى التعميم في كل شيء وهذا خطأ فادح في ثقافتنا العربية،واذا اردنا محاسبة شخص فليكن الشخص المخطيء بعينه وليس من المنطق ان نطالب بأن نحكم على شعب بأكمله من خلال تصرف فردي ينتمي الى هذا البلد.
ما زلت اتذكر الكثير من الشخصيات المصرية الرائعة التي عاصرتها سواء من خلال المدرس الذي علمني او من خلال الطبيب الذي عالجني او من خلال الجزار الذي اشتري منه اللحم او من خلال الموظف في البنك الذي اتردد عليه. ولا انسى انني كنت وما زلت معجبا بالاعمال الشعرية والروائية للمبدعين المصريين مثل احمد شوقي ويحيى حقي ونجيب محفوظ اضافة الى المسرح المصري والافلام المصرية والمسلسلات المصرية التي ضمت نجوما كثر ما زلنا نتذكرهم جميعا عبر اجيال تتبعها اجيالا اخرى ناهيك عن الفنانين التشكيليين المصريين امثال محمود مختار واخرين في مجالات عدة الى جانب النحت حيث الرسم والخزف والمدارس الفنية الرائعة التي من خلالها يمارس المبدع المصري ابداعاته، ناهيك عن البعد الحضاري والثقافي لمصر الحبيبة التي ما زالت تمتلك سلسلة من المبدعين في كل المجالات.
واذا كان هناك نوع من النسبية فهذا امر طبيعي لان عمالقة مصر لا يمكن ان تتكرر لا في مصر ولا في غيرها ولكن دائما تظهر اصوات مبدعة بصورة مختلفة دون أن تتأثر بغيرها لانها تريد ان تخط لها اسلوبا خاصا بها وتريد ان تترك بصمة تميزها عن الاخرين. ولا ننسى ان الابداعات الفنية في الوطن العربي تأثرت كثيرا بالمدرسة الفنية المصرية سواء على مستوى الاغنية او الدراما او على مستوى المسرح والسينما وانها استعانت بالخبرات المصرية في الكثير من تلك المجالات. عدت من مصر المحروسة ومثل كل مرة اعود وقد تشرفت بمعرفة بعض الشخصيات الرائعة بدءا بالعامل الذي يبيع الخبز مرورا بالصحافي المبدع وانتهاء بالشخص المبتسم البشوش الذي يختم جواز سفري عند المغادرة والعودة الى الكويت الحبيبة وكلي شوق الى مصر المحروسة المغروسة أغصان اشجارها في اعماقي ووجداني واتمنى تكرار السياحة الى مصر هو اقل شيء نقدمه الى مصر التي قدمت إلينا الكثير.