تعتبر الحرب الدائرة في بلاد الشام من أبشع وأقبح الحروب التي عرفتها البشرية على مر العصور. ولا يرجع ذلك إلى عدد القتلى ولا إلى الدمار والخراب الذي حل بالنسل والحرث. فهناك حروب عديدة راح ضحيتها أضعاف مضاعفة من الأرواح مثل الحرب العالمية الأولى والثانية.
فبشاعة الحرب في سوريا مرجعها إلى قذارة اللعبة وتردي الأخلاق المعروفة في النزال والمعارك. ليس هذا فحسب لكن الأنكى من ذلك هو اختلاف الزاوية التي ينظر منها الجميع إلى هذه الحرب بحسب اختلاف المصالح.
فجميع الأطراف لا تفكر في حرمة الدم ولا قدسية النفس وطهارة الروح. فالكل يبحث عن المكسب والثمار التي يمكن جنيها من وراء هذه الأزمة مهما كانت كمية الدماء المراقة.
إذا أردنا برهانا على ذلك فعلينا بتمعن جميع المواقف ابتداءا من الموقف التركي. فقد أعلنت تركيا مرارا وتكرارا عن رغبتها المستميتة في إنهاء الأزمة بشرط رحيل بشار الأسد.
تمسك الجانب التركي بهذا الشرط بقوة شديدة وإصرار عجيب لدرجة توهم البعض أن رحيل بشار هو الحل.
منذ أيام قليلة أعلن أردوغان أنه لا حل للأزمة السورية إلا بوجود بشار الأسد فكيف تبدلت المواقف؟! المتابع للشأن السوري لن يندهش من هذا التحول وخاصة بعد تنامي قوة الأكراد في الشمال السوري وتجدد حلمهم في أن يكون لهم وطن يمتد شرقا للعراق وشمالا لتركيا منطلقا من التراب السوري وهذا ما أقلق مضجع السلطان العثماني ولأول مرة منذ اندلاع الأزمة يرسل قوات خاصة إلى جرابلس السورية لوقف الزحف الكردي والقضاء عليه قبل أن يستفحل أمره ليعبر إلى الأراضي التركية. هنا أعلن أردوغان نيته لمد يده إلى بشار.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أذاب الجليد مع الدب الروسي وأعاد العلاقات مع بلاد الفرس بعد أن كان يوصمهم بأن أياديهم ملطخة بالدماء السورية {صفقة}.
الطرف الثاني هو القيصر الروسي فلم ينس ساكن الكرملين الأطماع الإستعمارية لأجداده الروس. فهو يحلم ليل نهار بالتمدد بمنطقة الشرق الأوسط تحقيقا لهذه الأطماع من ناحية ولكي يحد من نفوذ غريمه الأمريكي من ناحية أخرى. ولذلك فالميزانية الروسية مفتوحة على مصراعيها لدعم بشار الأسد بالمال والعتاد وأحيانا الجنود {صفقة}.
أما الجمهورية الفارسية فأهدافها معروفة للجميع حيث تهدف ومنذ وقت طويل إلى المد الشيعي في المنطقة ليس من منطلق ديني كما يتفهم البسطاء ولكن رغبة في الإستحواذ والنفوذ ومحاصرة تمركز الثروات في الخليج العربي وما قضية الجزر الإماراتية ببعيد{ صفقة} ولهذا السبب أعلنت السلطات الإيرانية عن غضبها الشديد عندما أعلنت روسيا عن استخدامها لقاعدة همدان الفارسية لشن غارات على الأراضي السورية.
فتسخير القاعدة للقيصر الروسي مسموح به لكن في الظلام ودون أن يعلم أحد { صفقة قذرة}. أما ماما أمريكا فهدفها من الحرب في سوريا وغير سوريا هو ما أعلنته قبل ذلك عن رغبتها في تنفيذ مشروعها {الشرق الأوسط الجديد} وهي محاولة تشبه تقسيم سايكس بيكو تلك الإتفاقية المشؤومة التي أبرمت قبل جلاء الحقبة الإستعمارية بالشرق الأوسط. الهدف هنا إعادة لعبة التوازنات للحفاظ على هيبة الولايات المتحدة فتنهب في الثروات بحجة حماية المنطقة من الإرهاب وفي نفس الوقت تتكفل دول الشرق الأوسط بدفع فاتورة هذه الحماية أي أن المنفعة هنا مزدوجة { صفقة خبيثة}.
مصانع وسماسرة السلاح في دول الغرب ليس من مصلحتها توقف الحرب لأنها في هذه الحالة سوف تضطر إلى الوقوف على الأرصفة لتروج لبضاعتها التي كسدت بعد توقف القتال.
كل هذه الأطماع قادت القضية إلى مرحلة استحالة الحل. فالأمر يبدو تماما مثل لعبة الدومينو المقفولة. الذين يمارسون هذه اللعبة يعلمون جيدا أن فك قفلة الدومينو يحتاج إلى هدم الدور بأكمله والبدء من جديد.
وحتى هذا الحل يستحيل في الوضع السوري. ويرجع ذلك إلى غياب الدور العربي ليس لأهمية العرب فقد فقدت هذه الكلمة معناها. الدور العربي الأن له فائدة واحدة فقط.
حيث يستخدم كترخيص وتبرير للتدخل وهذا ما فعلته أمريكا إبان حرب الخليج. فقد حرصت على استمالة العرب قبل دخولها لتحرير الكويت. ولذلك فالمستقبل السوري يبدو قاتما إلا إذا بعث الله بروح عبد الناصر أو الملك فيصل أو هواري بومدين فهؤلاء أشهر العرب الذين أجادوا لعبة الصفقات.