اقتصاد مصر. وتأويل سيدنا يوسف
 
أعلن كريس جارفيس مستشار صندوق النقد الدولي للشرق الأوسط وآسيا أنه تم التوصل إلى اتفاق يسمح بحصول مصر على قرض بقيمة إثني عشر مليار دولار لدعم برنامج الحكومة للإصلاح الاقتصادي لمدة ثلاث سنوات وسيتم توجيه جانب الإنفاق على مجالات دعم الغذاء والحفاظ على مخصصات التأمين والغذاء لمحدودي الدخل ودعم ألبان الأطفال والاستثمار في البنية التحتية. وعلى جانب آخر رأى المحرر الاقتصادي "أندي كريتشلو" من خلال مقال نشرته له مدونة "رويترز بريكنج فيوز" للأنباء أن اشتراطات البنك الدولي لحصول مصر التي أطلق عليها "رجل الشرق الأوسط المريض" على قرض الاثني عشر مليار دولار قد تؤدي في النهاية بالبلاد إلى الفوضى لإن الاقتصاد المصري يعاني من مزيج من التضخم المرتفع وضعف العملة وارتفاع البطالة وعجز الميزانية المتفاقم ومن ثم فإن علاج صندوق النقد الدولي قد يشكل خطراً على مصر والشرق الأوسط بأسره وتأكيداً لوجهة النظر تلك حذر أساتذة اقتصاد مصريين من سياسة رفع الدعم دون وجود إجراءات تحمي الطبقة الفقيرة مما يعنى تركهم لمصير مجهول ربما يصل إلى درجة صدام مجتمعي. وفي كلمته التي القاها بمناسبة افتتاح مجمع البتروكيماويات بالإسكندرية يوم السبت 13/8/2016 قال الرئيس عبد الفتاح السيسي أن زيادة المرتبات خلال أربع سنوات رفعت الدين الداخلي 2,3 تريليون جنيه زادت من 150مليار جنيه إلى 280 مليار جنيه في السنة مما أدى إلى بروز في الدين الداخلي وصل إلى ستمائة مليار جنيه وهو أمر لا يمكن أن نستمر فيه ولابد أن نسدد هذا الدين ونقلله. وفي خضم هذا الجدال استحضرت سورة يوسف وتحديداً الآيات التي تتحدث عن رؤية عزيز مصر سنة1711ق.م حينما رأى أنه واقف بجوار نهر النيل وإذا بسبعِ بقراتٍ حسان المنظر سمينات الأبدان صاعدات من النهر أخذت ترعى في المرج فإذا بسبعِ بقراتٍ أخرى قبيحات المنظر هزيلات تصعد وراءها من النهر وتقف بجوارها ثم تلتهمها مما جعل الملك يهرع إلى قومه لتفسير تلك الرؤية الغامضة المخيفة فتذكر ساقي الملك أنه حينما كان في السجن كان معه شخص فسر له ولزميله رؤيتهما وقد صدق في تفسيره فأخبر الملك بذلك فأرسله من فوره إلى يوسف بمحبسه وكان تفسير يوسف للرؤية أن هناك سبع سنين رخاء عظيم قادمة على أرض مصر تعقبها سبع سنوات من الجوع والقحط والجدب ونصح يوسف الملك بأن يأمر رجاله بتخزين الحنطة في سنابلها لسنين القحط واعجب الملك بتفسير سيدنا يوسف للرؤية وحينما تقابل معه طلب يوسف من الملك أن يجعله على خزائن الأرض ووصف يوسف نفسه بأنه (الحفيظ العليم). ومن خلال سياق تلك السورة العظيمة وخصوصاً في وجهة نظر سيدنا يوسف الاقتصادية ونظراً لمعتقدنا الراسخ بأن ما جاء بالقرآن من أحداث وقصص لا ينفك عن أي زمان بل أنه عبرة وعظة يؤخذ بها في كل الأزمنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مع الوضع في الاعتبار أن ما روته الآيات الكريمة يختص بمصرنا العزيزة في زمن بعيد وكأننا نجتره الآن واستلهاماً من روح النص نجد أنه يتعين على الدولة المصرية في الوقت الراهن أن تقوم بما يلي: أولاً: أن تعهد بالمناصب الهامة في الدولة للموظف (الحفيظ العليم) اقتداءً بسيدنا يوسف عليه السلام ذوي الخبرة والكفاءة والمقدرة لا ذوي الحسب والقرابة والنسب. ثانياً: على مجلس النواب المصري الذي جاء من أطياف مختلفة تعبر عن طوائف الشعب المتباينة أن يتبنى إصدار قانون وبصفة مستعجلة بتحديد سقف الراتب لكافة الموظفين بالدولة والتي كان قد أثارها الرئيس عبد الفتاح السيسي عقب توليه سدة الحكم وبدأ بنفسه لكن تغليب المصالح الشخصية على مصلحة الوطن كانت هي المقدمة فغلبت القلة الكثرة وإذ ما طالعنا بإمعان تفسير سيدنا يوسف لرؤية الملك أنه قال: "إلا قيلا مما تأكلون" لم يحدد طبقة تأخذ أكثر من طبقة أو فئة تعلو على أخرى ومن هنا اجتازوا الأزمة بسلام لأننا جميعا كمن يركبون سفينة تعبر بهم البحر فمن يتعمد خرقها يجب الضرب على يديه لينجوا الجميع وإلا لو تركوا لهلكوا وهلك الجميع. ثالثاً: تشكيل لجنة لمعاونة الحكومة من رجال الاقتصاد وأساتذة الجامعات من أهل الثقة والرأي والمشورة الذين لديهم الحس الوطني وتغليب الصالح العام على الخاص لتحديد الأهداف الاستراتيجية نحو ترشيد الإنفاق الحكومي وفق منظومة علمية أكاديمية مدروسة بعناية واقتدار. فإن لم تفعّل الدولة هذه الأمور الهامة فسنكون كمن يدور في حلقة مفرغة ونجد أنفسنا وقد مرت ثلاث سنوات القرض(والتي هي أشبه بالسنين العجاف زمن سيدنا يوسف) دون علاج ودون مراعاة للسواد الأعظم من الشعب من محدودي الدخل الذين هم أولى وأجدر بالرعاية والاهتمام وحينها تتحقق رؤية المحرر الإقتصادي"أندي كريتشلو" سالفة البيان ونجد أنفسنا في نفق مظلم ومأساة تأكل الأخضر واليابس لا يسلم منها ذوي الدخل الكبير الذين يصرون على عدم المساس به أو محدوديه من الفقراء والمساكين الذين يصارعون الأمواج المتلاطمة وحدهم دون مجيب لصراخاتهم وأناتهم لإن المجتمع المصري الآن تسوده نغمة الأنانية النشاز وأصبح الكل فيه يغني على ليلاه دون مراعاة لخلق أو ضمير أو وازع من دين.