مشاهد عديدة يمكن الوقوف عليها فيما يخص محاولة الإنقلاب العسكري التركي الفاشل لكن أهم مشهد جذب الإنتباه ( من وجهة نظري الشخصية) هو كم التبريرات التي يسردها أرامل وأيتام السلطان في الشرق الأوسط. ففي دفاع هؤلاء عن السلطان العثماني يدعون أنهم يفعلون ذلك من أجل الإسلام ونصرة المسلمين مدعين في ذلك أن السلطان يحكم بصبغة "إسلامية". وهنا نصل الى يقين تام بأنه إذا أردت الهيمنة على العقول فلابد وأن تغلف أفكارك بكلمة "إسلامية"حتى وإن كانت أفعالك متناقضة مع هذه الصفة وحتى إذا كنت معاديا للإسلام فسوف يكون لديك أتباع ومريدين من كل صوب وحدب وعلى كافة المستويات الثقافية والإجتماعية. ففي خضم الأزمة التركية مثلا وصلتني رسالة عبر واتساب تناشدني بالدعاء للسلطان المسلم آخر حصون الدفاع عن الإسلام (كما جاء بنص الرسالة). هذه الحالة تشبه تماما رجلا محتالا أراد أن يصل الى الثراء سريعا في بلد لا يعرف سكانه مذاق اللحم. ومن ثم قرر فتح مطعم للكشري وكتب عليه "ألذ اللحوم وأطيب المشويات" سكان البلدة كانوا يدخلون إلى مطعم الكشري ثم يخرجون فرحين بما تذوقوه من المشويات واللحوم كما يعتقدون. حدث ذات مرة أن دخل المطعم رجل غريب عن البلدة وطلب طبقا من المشويات ولكنه فوجئ أمامه بطبق من الكشري متربعا على طاولته فتساءل مشدوها عن ماهية هذا الطعام ليجيبه النادل أنه طبق من المشويات. هاج الزبون وماج وارتفع صوته الى خارج المحل وتجمع حشد غفير من الناس الذين قرر الإحتكام إليهم. الجميع يقسم أنه طبق من المشويات ولكن الرجل متمسك بأن الطعام المقدم اليه لا يمت للحوم بصلة وأنه مجرد طبق من الكشري. يحاول الجميع لفت نظر الرجل إلى لافتة المحل كي يقتنع أنه يقدم اللحوم لكن دون جدوى. وفي النهايه ينصرف الناس من حوله مدعين أنه لا يفهم بالأكل شيئا. هذا هو حال حريم السلطان بالشرق الأوسط تماما يقسمون جهد أيمانهم بأن بضاعة أردوغان "إسلامية "وعندما تقنعهم أن دخل تركيا يعتمد بشكل كبير على السياحة الجنسية والنوادي الليلية فأنت لا تفهم بالمشويات أو السياسة وعندما تقول أن قوانينه تقر زواج المثليين وهو ما يتعارض مع تعاليم الإسلام فأنت حاقد على السلطان وإذا أردت تذكيره بأن تركيا تحتكم الى العلمانية فأنت حتما لا تعرف الفرق بين الكشري واللحم. الرجل نفسه يعلن عن تطبيعه التام مع اسرائيل في اتفاقية أقل ما يقال عنها أنها مهينة ومذلة لشعبه ولكنه اسلامي. مستحيل أن يقتنع بأن أردوغان يقدم الكشري وليس المشويات. أردوغان نفسه وفي أكثر من مناسبة يعلن استعداده التام للإنصياع لقوانين الإتحاد الأوروبي والتي تتعارض معظمها مع القيم الدينية ولكنه السلطان المسلم. هو شريك في حلف الناتو الذي أذل المسلمين في بلاد عديدة مثل ليبيا ولكنه آخر معاقل الدفاع عن الإسلام. مستحيل أن تقنع هذه العقلية أنها تتناول الكشري وليس اللحم. أنا شخصيا ليس لدي أي مانع من تناول ما تشاء من الطعام ولكن عليك فقط أن تسمي الأشياء بمسمياتها.