تعتبر الاحكام القضائية في أي دولة شأنا داخليا من غير المسموح للدول الاخرى التدخل فيها، واذا كانت هذه القاعدة في العلاقات الدولية غابت عن بال العاملين بوزارة الخارجية التركية فعليهم قراءة تاريخ القضاء المصري بتمعن، وإدراك انه لم يكن يوما موظفا عند طغمة حاكمة، أكانت عسكرية أو حزبية كما هي الحال في تركيا ومنذ إعلان جمهورية اتاتورك في عشرينات القرن الماضي الى يومنا هذا.
المفارقة ان حكومة أنقرة مستاءة من الاحكام المثبتة حيثياتها بالادلة القاطعة على عدد من قادة “الاخوان” بمن فيهم محمد مرسي بتهمة التخابر مع دول وجماعة “حماس” المدرجة على قائمة الارهاب، او ممارسة الارهاب في الداخل، فيما القضاء التركي اصدر سلسلة احكام ضد صحافيين وكتاب اتراك عبروا عن رأيهم في تلك الحكومة بالحد الادنى من النقد إلا انهم نالوا اقسى العقوبات، وهي بذلك ترى القذى في عين غيرها وتنسى العود في عينها.
إذا كانت الحماسة الحزبية دفعت الى التدخل بالشؤون الداخلية المصرية الى هذا الحد السافر، فالعقل البارد للدولة الذي يقيس الامور وفقا للمصالح، واحكام المعاهدات الدولية يفرضان احترام سيادة الدول الاخرى وهو ما دأبت انقرة منذ نحو عامين على تناسيه، اما اذا كانت القيادة الأردوغانية ما تزال تعيش في جلباب السلطنة العثمانية فعليها الخروج من دهاليز القرن التاسع عشر الى فضاءات القرن الواحد والعشرين وتعرف ان مصر دولة مستقلة ذات سيادة تمارس حكومتها سلطاتها على كامل اراضيها وفقا لقوانينها التي ليس لاحد ان يتدخل بها.
ما فات حكومة حزب العدالة والتنمية (اخوان تركيا) ان استرداد الدولة من جماعة “اخوان مصر” بعدما اغتصبت الحكم في العام 2011 وحاولت بيع السيادة الوطنية في سوق الوصاية الدولية، إضافة الى تعطيل القوانين لخدمة اركان الجماعة الذين سعوا للاستحواذ بـ”البلطجة” على الاقتصاد وتدمير كل ما بني خلال عقود لم يكن انقلابا عسكريا كما كانت الحال في تركيا طوال عقود حتى اصبحت فيها الانقلابات عادة فيما في مصر كان الجيش دائما الى جانب الشعب ولم يتدخل بشؤون الحكم، وقد انصاع لمطالب نحو 40 مليون مواطن في 30 يونيو 2013 للدفاع عن الوجود والمصير، ولم يتدخل بشؤون الدول الاخرى كما هي حال الجيش التركي الذي يستبيح سيادة دول الجوار.
التدخل الاردوغاني بالشؤون المصرية ليس حرصا على إحقاق العدل، انما سعي الى زعزعة استقرار هذه الدولة العصية على التدخلات الخارجية، وما على أنقرة معرفته هو ان الثورة الشعبية في 30 يونيو 2013 كانت في جوهرها ثورة عربية قطعت رأس الافعى التي ما كان لمصر، ومن خلفها العديد من الدول العربية، النجاة من سمها إلا بدفن مشروعها التخريبي، أما الادانة التركية للاحكام المصرية فهي وثيقة جديدة تضاف إلى السجل الأسود لفروع “الاخوان” في العالم.
أحمد الجارالله