fiogf49gjkf0d
المشهد ما بعد ثورة 25 يناير( الانفلات الأخلاقي)-
 كتب/ سعيد مندور
 
 استبشرنا خيراً وتفاءلنا وارتفعت طموحاتنا وأمانينا عند قيام ثورة 25 يناير، لما رأيناه من مشاهد في ميدان التحرير وميادين مصر كلها، مشاهد أذهلت العالم بأجمعه وتحدث عنها رؤساء أكبر الدول العربية والغربية، وتحدثت عنها وكالات الأنباء العربية والعالمية وتصدرت هذه المشاهد الرائعة جميع الشاشات والصحف والمجلات، فكانت هناك مشاهد غاية في الوحدة الوطنية والأخلاق الحميدة والتلاحم والتكاتف والتراحم والتضحيات من أجل الجميع، وكانت مشاهد وقوف المصريين بكامل أطيافهم السياسية وانتماءاتهم الحزبية وعقائدهم الدينية من شباب وفتيات ونساء ورجال وحتى الشيوخ يد واحدة وهدفهم واحد، وكانت تلك الثورة العظيمة التي قامت لتهدم الفساد، وتبني الأمجاد، ثورة من أروع الثورات في العصر الحديث.
 
ولكن الآن وقد أصبح المشهد في مصرنا الحبيبة في غاية من الانفلات الأمني والأخلاقي وهو مانحن بصدده، فقد انقلب كل شييء وكأن أهرامات مصر العظيمة التي شيدها الأجداد انقلبت رأساً على عقب وأصبحت كل القوى السياسية متصارعة ما بين اللبراليين والعلمانيين والإسلاميين والسلفيين والإخوان وتيارات ومسميات أخرى لا يعلمها إلا الله، وما بين الأحزاب والحركات وما بين أعضاء البرلمان الواحد الذي كان يمثل في شكله العديد من أطياف الشعب، وتصارع الجميع وتعالت (الأنا) ونسو أهداف الثورة، وتسارعوا ليقطفوا ثمار الثورة وليس لبناء الوطن. وسقط شعار (الرأي والرأي الآخر) وأصبحنا نعيش نهارنا وليلنا ما بين أحداث وصراعات متسارعة جديدة غير مألوفة على المصريين، واحتل البعض من رجال السياسة وبعض رجال الدين وغيرهم ممن يريد الشهرة شاشات التليفزيون وبرامج التوك شو ودارت رحايا العراك السياسي بدون قيود أو ضوابط، الأمر الذي أدى تأثيره على الشارع والمواطن البسيط، والحكمة هنا تقول (أعطني شاشة أصنع لك شعباً)،
 
 فما صنعوه من انفلات سياسي وأخلاقي وكثرة الشجار وبث الألفاظ الغير لائقة اثر سلباً على المتلقي في الشارع، فهذا مشهد من مشاهد السياسيين والنخبة والإعلام، ومن المشاهد الأخرى الأفلام والمسلسلات التي أدخلت علينا (الفتونة) و (البلطجة) والتي أظهرت بكل جدارة حمل الأسلحة البيضاء والأسلحة النارية بصورة بشعة وصورت مصر وكأنها عشوائية لا يعيش فيها سوى هؤلاء النوع من البشر، وليست بلد لها تاريخ وحضارة بلد متدين بطبيعته، ناهيك على الألفاظ والمصطلحات الهابطة، مروراً بالانفلات الأسري في تعامل الأبناء مع الآباء والعلاقات الأسرية التي ركزت عليها تلك الأفلام والمسلسلات الهابطة، التي سعت إلى تدمير العلاقة الحميمة بين أفراد الأسرة الواحدة والمجتمع. فضاعت الأخلاق الحميدة التي كان يتمتع بها أبناء الشعب المصري في الداخل والخارج، الأخلاق التي كانت تميزه بين شعوب العالم أجمع، فكان الفرد ينتمي لأسرته ومجتمعه ووطنه، وكان الكبير يحترم الصغير وكذلك الصغير يحترم الكبير، فأين ذهبت كل هذه الصفات الحميدة؟ في وسط هذا العراك تاهت ما بين هذا وذاك، فبقاء واستقرار الدول وتقدمها وازدهارها، مرهون بتمسكها بالأخلاق والتزام مواطنيها بالقيم الأخلاقية في لغة التخاطب وآداب الحوار مع الاخرين،
 
 والعكس يكون صحيحاً إذا تخلت عن السلوك الأخلاقي وآدابه وضوابطه وانتشرت بين مواطنيها لغة التدني والهبوط وتكون هي السائدة دون مراعاة الآخرين. فالانفلات الأخلاقي هو الأخطر من الانفلات الأمني لأن الأخير يمكن علاجه ببعض الاجراءات الأمنية الحاسمة في عدم التهاون والتعامل بكل حسم مع الخارجين عن القانون وتطبيق القانون على الجميع، والدولة قادرة على استعادة الأمن للوطن والمواطنين في أي وقت تشاء، أما الانفلات الأخلاقي فهو أكثر صعوبة في علاجه لأن الأخلاق الحميدة تبني الأمجاد والأخلاق الغير حميدة تجعل الشارع والملاعب والمصالح الحكومية وأماكن الترفيه وحتى البيوت وأيمنا تكون ساحة من الانفلات الأخلاقي الذي يهدد الأوطان ويصلنا إلى الانفلات الأمني ويحقق تمزق الدولة والأمة في كل نواحيها، فهل هذه هي الحرية التي كنا ننشدها عند قيام ثورة 25 يناير!؟ أم أنها الفوضى الخلاقة التي تحدث عنها الغرب لتفتيت النسيج المصري الأصيل!؟. فيجب علينا جميعاً كدولة بكل مقوماتها وكل أفرادها وكل مؤسساتها أن نخرج من غفلتنا وأن نعمل جميعاً لعودة الأخلاق الحميدة لأنفسنا وأولادنا وبيوتنا ووطننا الغالي مصر، وأن نعيد كلمة (عيب) للشارع المصري، ولا يفوتني في هذا المقام ذكر بيت الشعر الشهير الذى قاله أمير الشعراء أحمد شوقي، «إنْمَا الأُمَمُ الاخْلَاقُ مَا بَقيتْ فإنْ هُمُ ذهبتْ أخْلاقُهُمْ ذهبُوا».
 وحفظك الله يا مصر،،
 سعيد مندور Sism59@hotmail.com ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ