زهرة العلا فؤاد تكتب:
نتهم نحن جيل «الشباب» حاليا بأننا نختار ألا نرى الإيجابيات فى التحولات التى تمر بها مصر.
وعليه، يقدم هذا المقال رؤية موضوعية تميل إلى الإيجابية فى تقييم أثر التوتر الذى تشهده حاليا العلاقات بين مصر والسعودية.
وبداية، فإن هذا التوتر وما شمل عليه من موجات إعلامية عدائية ليس بجديد.
إذ أن هذا النوع من التوتر سمة مستمرة فى العلاقة بين البلدين، حتى فى أكثر الأوقات انسجاما بينهما. وفى كل مرة، تستدعى المقالات المصرية والسعودية روح المنافسة القديمة بين البلدين، وتستدعى معها – للأسف رؤى غابرة تقارن بين «7000 سنة حضارة» و«براميل من النفط» أو بين «من يملك» و«من لا يملك». والمنافسة بشكل عام محمودة، طالما لم تتحول إلى صراع عقيم.
وعلى الرغم من كمية السلبية، بل والعدوانية التى اشتمل عليها خطاب التوتر الحالى فى القاهرة والرياض، إلا أن ذلك لا يمنع من أن نمعن النظر فيه لنتبين أنه قد يؤدى إلى تحولات إيجابية بالنسبة لكل من الدولتين وللعلاقات بينهما.
***
لقد كشفت التوترات الأخيرة عن بعد جديد بدأ يطغى على العلاقات بين مصر والسعودية، ويعبر هذا البعد الجديد عن الواقعية السياسية التى بدأت تفرض نفسها كإطار منظم لهذه العلاقة، كبديل أو بموازاة الإطار الأخوى المثالى التقليدى الذى كان ينظمها. إذ تشمل مفردات ومسببات التراشق بين الكتاب والمحللين والمسئولين بين الجانبين مصطلحات وأسباب «عادية» كتلك التى تشملها علاقة كل من مصر والسعودية مع الدول «الأخرى».
فالعلاقة بين مصر والسعودية قد تكون فى طريقها إلى التطبيع، أى إلى أن تكون كأى علاقة طبيعية مع الدول التى لا تحظى بمكانة «الشقيقة».
فلم تعد الهوية والتاريخ والأخوة تمثل المرجعية فى السياسة الخارجية لكل من الدولتين تجاه الأخرى، وإنما أصبحت المصالح المنفردة ثم المشتركة هى المرجع الأهم فيها.
وعلى الرغم من أن هذا التطور يخرج العلاقة عن إطارها التقليدى بشكل قد يحبط بل ويصدم البعض، إلا أنه يجعل شكل العلاقة وأهدافها أكثر وضوحا بشكل ينعكس إيجابيا على عدة مستويات.
أولا، سوف ينعكس هذا التحول على المدى الطويل فى التقليل من عنصر الشخصنة فى العلاقة بين الدولتين. إن ضعف أو تكتيف المؤسسات بشكل متفاوت على كل من الجانبين يجعل العنصر الشخصى طاغيا بل وحاكما فى العلاقات بينهما.
وقد أدى ذلك إلى تبعية العلاقات بين الدولتين من حيث نوعيتها واستقرارها لنمط العلاقات الشخصية بين القيادات فى كل منهما. ويؤيد هذه الشخصنة الرؤية الأخوية لهذه العلاقة كعلاقة بين أفراد لعائلة واحدة بشكل يجعلها أعمق وأهم من أن تحتويها المؤسسات والأطر الرسمية للعلاقات الدولية. ولذلك قد يكون من الصحى إعادة وضع العلاقات فى إطار جديد يقوم على تبادل المصالح بين طرفين اختار كل منهما إقامة علاقة مع الآخر لأنه يحتاج إليه.
إن مثل هذا الإطار الجديد قد يوفر الاستمرارية والاستقرار لهذه العلاقة الثنائية، حتى وإن تغير القادة أو اختلفت شخوصهم وطبائعهم وميولهم. إذ أن إطار المصلحة يجعل أهداف وحدود العلاقة بل ومساحات الاختلاف التى قد تولد التوتر واضحة منذ البداية، بحيث يمكن تفاديها أو إدارتها أو حلها دون أن يفاجأ طرف بقرارات الآخر.
بمعنى آخر، يقلل إطار المصلحة من عنصر «العشم» الذى قد يولد آمالا غير مستندة إلى اتفاقات صريحة بين دولتين، أو الذى يولد رد فعل مبالغ فيه تجاه خلافات هى فى جوهرها اختلافات سياسية عادية بين أطراف العلاقات الدولية.
ثانيا، إن خروج العلاقة بين القاهرة والرياض عن الإطار القيمى الذى يقوم على الهوية والتاريخ إلى إطار المصلحة، يساعد على عدم الاعتماد على ديمومة التحالف بينهما، ويشجع الدبلوماسيتين المصرية والسعودية على أن تكونا أكثر نشاطا وإبداعا فى البحث عن علاقات خارجية متنوعة مع أطراف متعددة.
ذلك أن التعويل فى العلاقات الخارجية على أواصر الهوية والتاريخ يحد من خيال متخذ القرار، ويجعله يرغب فى التصديق والاعتماد على ديمومتها ما دامت الهوية عربية وإسلامية لكلا الجانبين.
إن وضوح المصلحة السعودية من العلاقات مع مصر، والمصلحة المصرية من العلاقات مع السعودية، سينعكس على إيجاد تعريف واضح لحدود ما يمكن أن يحققه تحالفهما، ويجعل القيادات فى كلتا الدولتين تفكر فى شبكة تحالفات مكملة لتحالفهما الثنائى، أو حتى تحالفات بديلة تمثل شبكة الأمان فى حال ما انفرط عقد تحالفهما.
ثالثا، ساعدت التوترات الأخيرة بين البلدين على تغيير صورة كل منهما لدى الآخر، بما يخدم السياسة الخارجية بل والداخلية لكلاهما. لا شك إطلاقا أنه ليس من مصلحة مصر أن تلتصق بها صورة التابع المضطر لمساندة السياسات الخارجية للدول المانحة، وهى الصورة التى يستخدمها المعارضون والمنافسون المحليون والإقليميون والدوليون. لذلك فإنه من الجيد نفيها بالأفعال وليس فقط بالأقوال.
أما من جانب المملكة، فلا شك أن السعودية حكومة وشعبا سئمت الصورة التى تختزلها فى ثرى عربى صامت، يستمر حلفاؤه فى دعمه طالما استمر تمويله لهم. ففى إطار الصراع الحالى مع إيران، تراخى التحالف مع الولايات المتحدة، يكون من الإيجابى بالنسبة للرياض أن توضح أنها لا تشترى حلفاءها بالمال ولا تطلب منهم مجرد البروباجندا على مستوى الخطاب، وإنما تقيم معهم علاقات على أساس تبادل المصالح بشكل يجعل تحالفاتها مستمرة باستمرار هذه المصالح، حتى وإن انقطع التمويل.
كما أن التوتر مع مصر يوضح ثبات المملكة على مواقفها من القضايا الإقليمية، حتى وإن كلفها ذلك مراجعة تحالفاتها. أضف إلى ذلك أن هذا التوتر مع مصر يخدم المملكة داخليا فى وقت هى الأكثر احتياجا لتمويل عجز تاريخى فى موازنة الدولة، بدلا من صرفه على حلفائها الإقليميين.
أما على المستوى الشعبى، فإن تغير الصورة النمطية للمواطن المصرى لدى المواطن السعودى، والصورة النمطية للمواطن السعودى لدى المواطن المصرى، تجعل العلاقات أكثر صحية وتحضرا بين الشعبين.
رابعا، لا شك أن هناك حساسية مصرية من النشاط السعودى فى المجال العام داخل مصر. ولا شك أن تراجع خصوصية العلاقة بين الدولتين يرفع عن الدولة المصرية الحرج ويسمح لها –إن أرادت التحقيق أو التحفظ على التسريبات التى تخص علاقة السفارة السعودية فى مصر بالإعلام المصرى، أو الاتهامات التى تخص مساندة المملكة للحركات السلفية والإسلام المتشدد فى مصر.
فمن المعروف لكل مهتم بالشأن السعودى أن المملكة حساسة جدا تجاه تناول شئونها فى الإعلام على مستوى العالم، مما قد يمثل ضغطا على حكومات الدول الصديقة من أجل الرقابة على تناول الإعلام المحلى فيها للشأن السعودى، خاصة الشأن الداخلى.
وسواء كان ما يتم تناقله عن نشاط المملكة فيما يخص الإعلام والحركات الإسلامية دقيقا أو غير دقيق، فإنه من مصلحة الدولة المصرية ألا تتحمل مسئولية غض الطرف فيما يخص الموضوعين. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فقد تسمح المسافة الصحية مع النظام المصرى بحرية أكبر فى دفاع المملكة عن نفسها ضد اتهامات التدخل فى السياسة الداخلية والشأن الدينى فى مصر.
***
ليس من مصلحة مصر ولا السعودية تصعيد التوتر بينهما، كما لا يجب ولا يمكن أبدا محو أثر الهوية والتاريخ والعلاقات الإنسانية بين الشعبين على العلاقات بين الدولتين، ولكن ما يتوجب عمله هو التوقف عن اعتماد هذه العناصر كإطار حاكم لعلاقات بين دول ذات سيادة، بدلا من إطار المؤسسات والمصالح المشتركة التى تتساوى فيها مكاسب الطرفين. فمصر والسعودية شقيقتان، ولكن –بحسب المقولة المصريةــ حتى الإخوة يتحاسبون.