أمام محطة القطار فى ميدان رمسيس، يمضى المارة بخطوات مسرعة مهرولين فى طريقهم للحاق بالقطار، بينما تجلس روحية السيد، 58 سنة، وأمامها الجرائد، تضع شالاً صوفياً بجوارها، تجلس بظهر محنى يعتصره الألم، تبيع جرائد لا تقرأها ولا تعرف شيئاً عنها.
30 سنة على «فرشة جرايد»
تحكى «روحية» عن يومها: «يومى بيبدأ الساعة 2 أول ما طبعات الجرايد توصل، وبافضل فى مكانى لحد الساعة 4 العصر تانى يوم». وتضيف «روحية» أن ليالى الشتاء هذا العام كانت الأطول والأصعب، حيث كانت تجلس بمفردها، متحملة البرد القارس، الذى زاد من آلام ظهرها.
30 عاماً مضت منذ وفاة زوجها، حيث تركها بمفردها تواجه الحياة، وتقوم بتربية أطفالها الثلاثة، ولدين وبنت، انتهوا من تعليمهم الجامعى، وانشغلوا بأنفسهم وبأسرهم الجديدة التى كونوها.
تقول «روحية» إنها لا تعرف القراءة ولا الكتابة، بالرغم من أنها قضت سنوات عمرها تبيع الصحف والمجلات، وتميزها من خلال «اللوجو» الخاص بكل جريدة، مضيفة: «حفظت شكل اسم الجورنال، يعنى ده الأهرام وده الجمهورية، لكن عمرى ما عرفت إيه اللى جوه الجرايد ولا باتابع الأخبار». وعن الربح الذى تحققه، تقول إن بيع الصحف به هامش ربح قليل جداً، كما لم يعد الناس يقبلون على شراء الجرائد منذ عدة سنوات، مضيفة: «بعد الثورة فى 2011، كان الزبائن بيخطفوا الجرايد من قدامى خطف، دلوقتى الناس بتشوف الأخبار فى التليفزيون وخلاص، وفيه ناس كتير زهقت ومبقيتش بتابع».
طوال السنوات الـ30، لم تفكر أن تتزوج مرة أخرى، واحتفظت بمكانها فى الميدان، مضيفة: «الميدان كان بيتغير، ييجى ناس ويمشى ناس وأنا زى ما أنا مش باتحرك من مكانى». وعما تعرضت له من قسوة أثناء عملها، تقول إنها تعرضت للضرب بالقلم من أمين شرطة فى المرافق، حيث صمم على أن يصادر الجرائد وكل الأشياء التى كانت معها، أثناء حملة إزالة للباعة تعرض لها الميدان، مضيفة: «حسيت بالغلب ودى من المرات القليلة اللى عيّطت فيها».
تؤكد «روحية» أن المشروعات الصغيرة التى تقوم بها النساء المصريات هى التى يعتمد عليها الاقتصاد المصرى، فالمرأة المصرية لديها القدرة على تحمل أصعب الظروف، مضيفة: «فيه ستات بيشتغلوا فى البيوت بيعملوا أكل ويبيعوه والفلاحات اللى بينزلوا من الفجر معاهم الخير كله لبن وجبن وفطاير، إحنا اللى بنربى وإحنا اللى بنتنسى». تبرر «روحية» عدم لجوئها للحصول على قرض قائلة إن لديها مخاوف من عدم القدرة على السداد، خاصة أنها شهدت حالات لسيدات يتعرضن للحبس نتيجة عدم قدرتهن على تسديد الأقساط، كما أنها لا تعرف طريقة الحصول على القرض والجهة التى من المفترض أن تتوجه إليها. وعن علاقتها بأولادها تقول: «كله مشغول بحياته، نفسى بس يبقوا كويسين وبخير، وأنا مش عايزة منهم حاجة، ربنا يدينى الصحة واشتغل لحد ما أموت».