لا شيء يضاهي دور الشعر حين تحيق الشدائد بالشعب .. بلاغة البيان في الشعر الوطني تفجر الحماس في النفوس وتتحول الى اغان تجعل العاطفة نحو الوطن متقدة بالحب والعزيمة.
هكذا كان حال الشعر والأغنية في ميدان التحرير طيلة سبعة عشر يوما من ثورة شباب مصر.. عاطفة ذائبة في حب الوطن.. وفكرة متوقدة بالأمل.. وبلاغة فيها سحر البيان.. وبراعة في قول الحقيقة.. وتأكيد على النصر.. وهذا ماحصل حين تحقق النصر.
فميدان التحرير بدا طيلة تلك الأيام كرنفالا يبعث روح البهجة في نفوس الحاضرين، فاينما يتلفتون يرون مسرحا تتقد فيه الكلمة الطيبة ويعلو فيه شرفها ويتجلى فيه معناها العظيم، فكانت كلمة «مصر» قافية الشعر ولازمة الأغنية في الميدان:
وبيسرقوك يالوطن قدامنا عيني عينك
ينده بقوة الوطن ويقولي: قوم.. فينك؟!
لولا ولادنا اللي قاموا يسددوا دينك
لكن خلاص يا وطن صحيت جموع الخلق
ومثلما في ميدان الشعر من قوافٍ متناغمة, كانت مصر كلها في ميدان التحرير حاضرة, بمختلف أطيافها وطوائفها المسلمين والمسيحيين والشيوخ والشباب والنساء، حتى الأطفال وأصحاب المهن والعمال والفلاحين والصعايدة وأساتذة الجامعة والقضاة والأطباء، الكل يجتمع الآن هنا وسط كرنفال شعبي. لا تسمع فيه غير الهتاف بكلام واحد وبموسيقى مصرية عربية تتناهى ألحانها اليك من هنا وهناك.
ارتجال الهتاف
وكان ارتجال الهتافات اوضح مشهد في الميدان، اشبه ما كان يجري في معارك الأقوام، حيث يصبح اصطحاب الشعراء للمعركة جزءا من العدة والعتاد، فالشعر ايضا من عدة الثورة والمعركة، ولا يمكن الاستغناء عن اولئك (المهاويل) الذين يحملون البيارق ويهزونها فوق الرؤوس وهم يرتجزون القول شعرا او نثرا، قول تصبح فيه البلاغة ويكون المعنى ابرع ما فيه:
«ثورتنا ثورة شعبية، ثورتنا ثورة شباب»
«احنا شباب حنحرر مصر»
«التغيير جاي وبأيدينا بلادنا راح ترجع لينا»
«مش هنمشي هو يمشي»
«عايزين حكومة حرّة .. العيشة بقت مُرّة»
«عايزين حكومة جديدة .. بقينا ع الحديدة»
«انا مش جبان انا مش جبان انا قاعد هنا في الميدان»
وتردد الحناجر هذه الهتافات التي تؤكد تصميم المتظاهرين على الاستمرار في احتجاجهم وعلى المضي في ما عزموا عليه حتى النصر، وهو قد تحقق أخيرا، ولكن بعد اشتداد العزائم, الى درجة التضحية بالنفس. فعندما حاولت دبابات الجيش التقدم لتضيق الميدان بعض الشيء على الشباب، قفز البعض على جنازير الدبابات وتمددوا فوقها لمنعها من التقدم، مما جعل ضباط الجيش يشعرون بالتقدير لهذه الحماس الوطني فأوقفوا دباباتهم بعيدا عن المتظاهرين.
شعراء الميدان
وحضور الشعر في الميدان مثل الزاد والماء, فلا صوت يعلو ويجلب انتباه السامعين اذا لم يكن ذا معنى، وفي تجمعات الشباب في الميدان، شعراء حضروا ليلقوا قصائدهم القديمة والجديدة، ومنهم من راح يرتجل الشعر ارتجالا، وشعراء احضرتهم ذاكرة الشباب، بعد أن تركوا شعرهم خزينا في الذاكرة الشعبية، فشباب مصر يحبون كثيرا شعراءهم الزجالين الوطنيين، ويتذكرونهم حين تحين الساعة لاشهار قصائدهم كسيوف تبرق بوجه الظلم والاستبداد.
ومن ذاكرة الشباب المتجمعين في حلقات وجماعات في وسط الميدان وجوانبه يحضر محمود بيرم التونسي وأحمد فؤاد نجم والأبنودي وصلاح جاهين وبديع خيري، ومن الشباب عبد الرحمن يوسف وهشام الجخ، وملحنون مثل شيخ امام وسيد درويش وغيرهم من شعراء مصر وملحني اغنيتها الوطنية.
والكثير من عبارات الشعر كتبها الناس على أرض الميدان وحوائطه ولافتاتهم، وحتى على ملابسهم. فالعبارة البليغة صرخة القلم بوجه السلطان الجائر تكتب اينما كان وتتردد في أرجاء الميدان:
مصر يا ام العجايب
شعبك اصيل والخصم عايب
خلي بالك من الحبايب
دولا انصار القضية
الأغنية حديقة الروح
في قلب الميدان وفوق أعشاب الحدائق المحيطة به، آلاف العائلات التي حضرت الميدان افترشت ارض الحدائق، ونصبت الخيام الصغيرة للمعتصمين الساهرين في الميدان لتقيهم من البرد، وداخل الخيام وحولها وفي مسارح صغيرة في اطراف الميدان نصبت على عجالة لفرق غنائية شبابية.
ومع حلول الليل تحول الميدان الى احتفال كبير اختفى فيه ضجيج النهار، حيث كانت الهتافات والصرخات بالشعارات تصك الأسماع ويتحول الجميع في الليل الى عروض الغناء الوطني والموسيقى وقراءات الشعر على تلك المسارح أوفي الخيام التي تجمعت فيها حلقات الشباب. فالحفاظ على زخم الثورة الشبابية فن يكون فيه الشعر والغناء زاد الروح التواقة للحرية والكل يردد أغاني مصر.
بيرم كان هناك
مع احدى المجموعات كان محمود بيرم التونسي حاضرا .. حاضرا بشعره وتراثه الوطني، فالعديد من الشباب رغم ان اكثرهم ولد بعد وفاته، لكنهم ورثوا شعر بيرم التونسي واغانيه من ذاكرة الوطن:
هبط الجنيه من قمّته والمليونير: ضج ولطم
ولما تهبط ذمته الحزن ينساه والألم
ولما تسقط حرمته يظن روحه محترم
عنده الجنيهات كل شيء وكل شيء غيرها عدم
أما الفقير قام واستجار ومن الهلع قلبه انخلع
بايت يفكر .. ليل نهار ليرتفع سعر السلع
واللحمة اهيه والخضار أسعرها حتسوق الدلع
ياما الجنيه رخّص رجال وغَلىَّ أسعار الغنم
كأنك مفيش..
حينما نشرت قصيدة الشاعر احمد فؤاد نجم «كأنك مفيش» قبل أشهر حظيت بدوي اعلامي عبر الانترنت, لكنها اصبحت قصيدة الميدان من كثر ما قرئت خلال ثورة الشباب، وكأن احمد فؤاد نجم كان يعلم ان بعد هذه القصيدة سينتصر الشباب وسيرحل مبارك، وسيلملم عياله وجماله وماله ويغور:
برغم إن صورك فـ كل الدواير
وكل المداخل وكل المحاور
ومليا الشوارع على كل حيط ..
مطنش علينا وعامل عبيط ..
كأنك مفيش ..
قصائد السخرية السياسية اللاذعة انتجتها موهبة احمد فؤاد نجم، وغناها شيخ امام كانت حاضرة في الميدان كأنه موجود في وسط جموع الشباب أو داخل الخيام في امسيات الثورة، فعلى مسرح صغير كانت هناك مجموعة من الشباب تغني لأحمد فؤاد نجم، وكان القيثار يحل محل العود, كان المحيطين بالمجموعة يشاركون في الغناء قصائد «سيدي الرئيس» «البتاع»، و«سلامة مرارتك» و«هنا شقلبان» و«صندوق الدنيا» و«أنا مصري»، كانت تتردد شعرا او اغنية حيث يقول:
أنا مصري ابن مصري وليا الشرف
برغم المهانة برغـــم القرف
برغم الزبالة اللي مالية الشـوارع
برغم الفســاد اللي بيه أعترف
سمو معـــالي رئيس الوزارة
برغم إني شايف بــلاوي وساكت
وعايش مطنش كـأن كفيف
برغم وزارة رئيسها حرامي
وشوفوا البجاحـة يقولوا: نظيف
الأبنودي وقصيدة الميدان
كانت قصيدة «الميدان» معلقة في ميدان التحرير مع المعلقات الأخرى لشعراء العامية المصرية الكبار، فهي «جت في وقتها»، كما قال الكثير من الشباب الذين قرأوها بعضهم لبعض، وقصيدة الميدان كتبها الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي:
أيادي مصرية سمرا ليها في التمييز
ممدودة وسط الزئير بتكسّر البراويز
سطوع لصوت الجموع شوف مصر تحت الشمس
آن الآوان ترحلي يا دولة العواجيز
ردد المعتصمون بميدان التحرير قصيدة «الميدان»، واشعار اخرى للأبنودي, فهم يعرفونه. والبعض يحفظ اشعاره التي تحمل رائحة الريف والقصب والطين، فيها روح مصر التي ظلت تطوف ليل نهار في سماء ميدان التحرير، فالشعر الجميل يجعل الوطن قمرا مضيئا في عيون المحبين، ردد البعض منهم كثيرا مقاطع منها:
شباب.. كأن الميدان أهله وعنوانه
ولا في الميدان نسكافيه ولا كابتشينو
خدوده عرفوا جمال النوم على الأسفلت
والموت عارفهم قوي وهمّا عارفينه
لا الظلم هين يا ناس ولا الشباب قاصر
مهما حاصرتوا الميدان عمره ما يتحاصر
مصر كما رسمها جاهين
مع الآخرين من شعراء مصر كان صلاح جاهين حاضرا في ذاكرة بعض الشباب، لأن مصر كما رسمها صلاح جاهين قبل اكثر من ربع قرن ظهرت صورتها الجميلة كما هي في ميدان التحرير, في وجوه هؤلاء الشباب وفي عيونهم التي تبرق بالحب لمصر، وبالغضب على الحكام الفاسدين، وبالأمل لحياة قادمة افضل مما كانت، مصر كما رسمها صلاح جاهين كانت اغنية على ألسنة الكثير من شباب الميدان:
على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء
أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء
بحبها وهي مالكة الأرض شرق وغرب
وبحبها وهي مرمية جريحة حرب
قمة أعمال جاهين كانت الرباعيات التي كان يحفظها معظم معاصريه عن ظهر قلب، هذه الرباعيات التي لحنها الملحن الراحل سيد مكاوي وغناها الفنان علي الحجار والتي ما زالت في الذاكرة المحكية:
أنا شاب لكن عمري الف عام
وحيد لكن بين ضلوعي زحام
خايف لكن خوفي مني انا
أخرس لكن قلبي مليان كلام
عجبي!!!
ومن قصائده المميزة قصيدة على اسم مصر، وأيضا قصيدة «تراب دخان» التي ألفها بمناسبة نكسة يونيو 1967. وكان مؤلف أوبريت الليلة الكبيرة أشهر أوبريت للعرائس في مصر.
كانت حركة الضباط الاحرار وثورة 23 يوليو 1952، مصدر إلهام لجاهين، حيث قام بتخليد جمال عبد الناصر فعليا بأعماله، حيث سطر عشرات الاغاني. لكن هزيمة 5 يونيو 1967 أصابته بكآبة. هذه النكسة كانت الملهم الفعلي لأهم أعماله الرباعيات التي قدمت أطروحات سياسية ويعتبرها الكثير أقوى ما أنتجه فنان معاصر.
أهو ده اللي صار
اهو ده اللي صار في الميدان. بحت اصوات الشباب من كثرة الهتاف والغناء والقصيد .. فناضلوا وصبروا وانتصروا، «اهو ده اللي صار وده اللي كان»، كما تقول الأغنية التي كانت كثيرا ما يسمعها الشباب المرابطون في ميدان التحرير، من الأغاني الخالدة التي كتبها بديع خيري، ولحنها فنان الشعب سيد درويش وغنتها الفنانة الكبيرة فيروز:
مصر يا ام العجايب
شعبك اصيل والخصم عايب
خلي بالك من الحبايب
دولا انصار القضية.