بعد أن وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة المنورة، وأثناء مروره بقرية بنى سالم بن عوف، أدركته صلاة الجمعة، فصلَّى بها بمن معه وكانوا مائةَ رجل في وادي رانوناء، وَبَنَى في هذا المكان مسجد الجمعة كما ذكر الطبري في تاريخ الأمم والملك.

كانت أول جمعة صلاها في الإسلام، لأنه لم يتمكن من إقامة صلاة الجمعة بمكة، فماذا قال النبي في هذه الخطبة- كما ذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، والطبري فى تايخه، وابن كثير في البداية والنهاية؟.

"الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره، وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودينِ الحق، والنورِ والموعظةِ على فَتْرَةٍ من الرسل، وقِلَّةٍ من العلم، وضلالةٍ من الناس، وانقطاعٍ من الزمان، ودنوٍّ من الساعة، وقربٍ من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصيهما فقد غوى وفرط وضل ضلالاً بعيدًا.

الوصية بالمسلم

وأوصيكم بتقوى الله فإنه خيرُ ما أوصى المسلمُ به المسلم أن يَحُضَّهُ على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجلٍ ومخافةٍ من ربه، وعونُ صدقٍ على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يُصْلِحِ الذى بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذُخْرًا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يودُّ لو أن بينه وبينه أمدًا بعيدًا.

تحذير الله

ويحذِّرُكُمُ الله نفسه والله رءوف بالعباد، والذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خُلْفَ لذلك فإنه تعالى يقول: "مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد" (ق: 29). فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية فإنه "مَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا" (الطلاق: 5). ومن يتق الله فقد فاز فوزًا عظيمًا.

تقوى الله

وإن تقوى الله تُوقى مقتَه، وتوقى سخطه، وإن تقوى الله تُبَيِّضُ الوجوهَ، وترضى الربَّ، وترفعُ الدرجةَ. خذوا بحظِّكم ولا تفرِّطوا في جنب الله، قد علَّمَكم كتابه، ونهجَ لكم سبيلَه، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءَه، وجاهدوا فى الله حق جهاده، هو اجتباكم وسمَّاكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حى عن بينة، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد اليوم، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العظيم (انتهت).

تحذيرات

وزاد الطبراني في المعجم الأوسط، والسيوطي في جامع الأحاديث، وبرهان الحلبي في سيرة نور العيون، أن النبي ختمها بإعلان فرض الجمعة، وتحذير لتاركها، فقال "إن الله كتب عليكم الجمعة في مقامي هذا، في ساعتي هذه، في مشهدي هذا، في عامى هذا إلى يوم القيامة، من تركها من غير عذرٍ مع إمامٍ عادلٍ أو إمامٍ جائرٍ فلا جُمِعَ له شمله، ولا بُورِكَ له في أمره، ألا ولا صلاة له ولا حج له، ألا ولا بركة له، ولا صدقة له".