تعيش مصر حاليا حالة رعب هائلة من أنفلونزا الخنازير.. الناس تجلس أمام التليفزيون شاخصة ابصارهم إلي الشريط الاخباري المتحرك الذي يعلن بصورة شبه يومية عن وفاة حالة من جراء مضاعفات أنفلونزا الخنازير.. كل الأحاديث الصحفية والتليفزيونية التي أدلي بها وزير الصحة اليقظ والنشيط لم تطمئن الرأي العام.

لماذا يخاف المصريون؟! لأنهم يعرفون جيدا الحالة الصحية في مصر!.. فرغم جهود وزارة الصحة مازالت المستشفيات العامة تغوص في بحر من الإهمال أما أطباؤها فهم غائبون أو يفتقدون للقدرة علي التشخيص.

الطفل الذي توفي نتيجة لعلاج خاطيء تلقاه من طبيب في عيادته الخاصة وعجل بنهايته اشاع حالة من الذعر لأن الناس لم تعد تعرف بمن تثق إذا كان الطبيب يخطيء.. وفاة الطفل جعلت الصحة تحذر من مخفضات الحرارة مثل الفولتارين والأسبرين ومن حقن النوفالجين ومن.. ومن.. قال الأطباء المخضرمون الحل في "كمادات" مياه باردة ومخفضات بسيطة مثل الايبرمول.. لكن لا حقن مخفضة ولا تاميفلو قبل الإصابة.. التاميفلو بعد التشخيص فقط.. الطبيب يحدد الجرعة ومدة العلاج أو في المستشفي.

لكن القلق لا يتوقف.. الناس في مصر تعرف أبناء بلدها جيدا.. وتدرك أن البعض منهم "فهلويون".. لن يسمع أحد كلام د.أحمد نظيف رئيس الوزراء بالبقاء أسبوعا في المنزل بعد العودة من الحج.. بل ان معظم الحجاج سيتناولون مخفض حرارة بمجرد ركوبهم الطائرات قادمين من السعودية.. لن يكتشف أحد اصابتهم بأي اشتباه.. لا يفضل المصري قضاء أي يوم في ضيافة الحكومة حتي لو كان معززا مكرما في الحجر الصحي.

لو صح ما توقعته منظمة الصحية العالمية WHO وزاد تفشي الوباء أو الجائحة هذا الموسم. فمما لا شك فيه ان أماكن العزل والاحتجاز التي أعلنت الحكومة من قبل ضرورة أن يتواجد فيها المصريون المرضي أو المشتبه في مرضهم لم تعد كافية.. الناس تخشي من تصاعد نسبة الوفيات التي تصيب الأطفال وكبار السن والحوامل بالتهاب رئوي وضيق تنفس.. المستشفيات لن تكفي هذه الأعداد الغفيرة.. غرف العناية المركزة امتلأت.. ليس بالضرورة أن يكون هناك مكان لكل مشتبه في إصابته.. هناك مرضي القلب وضحايا الحوادث والسرطان والأمراض الفتاكة الأخري.. لا أماكن في غرف العناية المركزة للمرضي العاديين فماذا لو تفشت الجائحة في ظل هذا العدد المحدود من الأسرة البيضاء.

أخشي أن يتحول الوباء إلي فرصة لعراك وتشابك بالأيدي بين أهالي المرضي وإدارة المستشفيات التي لن تجد بدا من استدعاء الأمن والشرطة.. خطر جدا أن نعامل المرضي مثل المشاغبين والمتظاهرين.. والأخطر أن يخرج للشارع أهالي المرضي في مراحل لاحقة بتحريض من ضعاف النفوس والذين يسنون السكاكين للبلد ويتفننون في توسيع "أجندة" الاطاحة به وتخريب الجبهة الداخلية. فتحدث "مواجهة" بين الحكومة ومرضي لا تستطيع الوفاء باحتياجاتهم.

الحقيقة اننا سنظلم وزير الصحة والحكومة كثيرا إذا وقعت الواقعة.. د. حاتم الجبلي لم يتوان عن بذل جهد كبير في محاصرة المرض والتقليل من مضاعفاته منذ ظهرت أول حالة إصابة وزادت الإجراءات الوقائية بعد حالات الوفاة.. هو يصرح ويحذر باستمرار وعلي مدار الساعة من حجم الخطر ويرسم خطة مع أجهزة الدولة المختلفة.. كما كان سباقا إلي جلب الطعوم رغم أنها مازالت تحت الاختبار والانتاج في معامل شركات الأدوية العالمية الكبري ودحض الاشاعات التي ثارت حول التطعيم وتناوله بنفسه أمام كاميرات التليفزيون وعدسات المصورين.. لكن هذا لن يكون كافيا لأننا نعرف البيرقراطية المصرية التي فشلت بجدارة منقطعة النظير في كل الاختبارات الصعبة التي خاضتها وكانت دائما تميل إلي كفة "الواسطة" ومجاملة المسئولين بدلا من أفراد الشعب ناهيك عن الاعتمادات المالية الضعيفة لدي وزير الصحة.

اننا لا نريد أن نثير الهلع أو الفزع ولكن الاطمئنان التام الذي تتعامل به الحكومة مع أزمة انفلونزا الخنازير والهلع المفرط الذي يشعر به أولياء الأمور إزاء فلذات أكبادهم في المدارس لا يتفقان ولا يلتقيان في نقطة واحدة والمسافة بينهما تتسع أكثر مما تضيق.

ان أخطر ما يواجه مصر حاليا ان اماكن العزل والاحتجاز داخل مستشفيات الحميات قد شغلت ولم يعد هناك مكان لقدم واحدة. ونتوقع جميعا انه عند زيادة عدد المصابين بالوباء علي قدرة مراكز العزل فستضطر الوزارة والحكومة إلي الإبقاء علي المصابين في منازلهم بشرط عزلهم في حجرات خاصة حماية لباقي أفراد الأسرة. وهنا المشكلة.. المصريون لا يسكنون جميعاً في فيلات وقصور يدخلها الشمس والهواء.. ولا حتي شقق من ثلاث غرف.. 80% يسكنون في شقق تقل مساحتها عن 60متراً.. 90% من المصريين لا يستطيعون عزل المريض في حجرة منفصلة تدخلها الشمس والهواء.

نحن باعتراف الحكومة نعيش في بيئة ملوثة غير نظيفة بسبب أكياس القمامة في الشوارع والحواري وتلوث مياه الشرب وعدم ضمان المتابعة الصحية السليمة داخل المنازل خصوصا ان معظم الدول النامية تضع في اعتبارها ان الحد الأدني للاصابة يمكن ان يصل إلي ربع عدد السكان.

الجثث

ربما تكون المليونا ونصف المليون جرعة دواء من التاميفلو التي أعلنت عنها وزارة الصحة كافية في البداية أو في المراحل الأولي لانتشار المرض لكن ماذا سنفعل إذا تفشت الجائحة أو الوباء؟.

تعاني مصر ولا ننكر ذلك من قلة عنابر الرعاية المركزية التي تكاد تكفي الطلب في الظروف العادية بالاضافة إلي انعدام أو ندرة أجهزة التنفس الصناعي خصوصاً بالنسبة للأطفال وكبار السن والحوامل.

أيضاً الأمراض المزمنة تقلل المناعة.. 20% من المصريين مصابون بضغط الدم و10% بالسكري و25% بأمراض الكلي والكبد.. وعفوا أنا أكتب من أرقام حكومية ومن واقع احصائيات رسمية وبالتالي لا يمكن اتهامي بأني مُغرض أو محرض.

كل هذه الأمراض المزمنة تقلل المناعة وكل الذين يدخنون علبة ونصف من السجائر يومياً معرضون للخطر.. هؤلاء لن يتحملوا الاصابة بالفيروس أو مضاعفاته.. اخطر المضاعفات هو الالتهاب الرئوي وهو قاتل للمدخن ومريض السكر وضغط الدم والقلب والكلي والكبد.. اذن عندما كتبت عن الهلع كنت محقاً وصادقاً.. فالخطورة ليست في وباء الأنفلونزا فقط ولكن في الأمراض المزمنة المتوطنة في مصر وظروف المعيشة السيئة وغير الصحية التي يعيشها المصريون في كثير من الأماكن.

انني أخشي عندما يتقدم المرض لا قدر الله أن تسود حالة من الهلع الرهيب.. فاشتراطات منظمة الصحة العالمية أن تحمل سيارات لوري جثث الموتي ولابد أن يرتدي السائقون والعمال ملابس خاصة تغطي أجسامهم كما نري في الأفلام بحيث يكون اللباس الواقي من قمة الرأس إلي اخمص القدمين.. عندها يرتدي هؤلاء العمال أقنعة تخفي رءوسهم يتم رفع أجساد الموتي إلي صناديق اللوريات بالجواريف التي يستخدمها عمال البناء والزراعة ليتم دفنها في مقابر جماعية في الظهير الصحراوي أو بعيداً عن العمران.

هناك خوف وهلع سيتم استغلاله من جانب جماعات موتورة وأحزاب ورقية ومنظمات وصحف تعمل بأجندة خارجية خصوصاً في عام الانتخابات لتهييج وتحريض المصريين ضد الحكومة.. كل الدول النامية لن تتمكن من تطعيم كل شعبها أو مواطنيها.. لكن في مصر سيكون التهييج منصباً علي عدم تصديق بيانات الحكومة وتحريك متظاهرين في الشوارع ليرددوا أن الأمر به خيار وفقوس وكوسة لأن التطعيمات ذهبت للمحاسيب والأقارب والأصدقاء وينظمون وقفات احتجاجية إلي أن يتم تطعيمهم.

الحكومة عليها أن تتنبه لما يراد بها سراً وما يحاك ضدها بليل ولابد أن يصدر قرار من النائب العام بحظر الإدلاء ببيانات عن الوفيات إلا من الجهة المسئولة عن ذلك والتنبيه علي عدم التشكيك في بيانات وزارة الصحة أو مستشفياتها حتي لا يشيع التضارب وتعم البلبلة ويتاجر المرتزقة السياسيون بالمصائب من أجل مكاسب وانتهاز للفرص.. أتمني أن تقبل الحكومة النصائح وتعمل علي إفساد مخططات وخطط الشر أولاً بأول.